ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
48
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
بوجه ، فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد مقدمات طويلة صعبة جدا ؛ فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا ؛ ثم استدل على وجوده الخارجي ؛ فيستحيل وضع اللفظ المشهور عند كل أحد لهذا المعنى الذي هو في غاية الخفاء . ( التاسع ) التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف ؛ ويحطه إلى معنى دونه بمراتب ؛ مثاله تأويل الجهمية وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ( الأنعام : 18 ) ونظائره بأنها فوقية الشرف ، كقولهم الدراهم فوق المفلس . فعطلوا حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية المستلزمة لعظمة الرب تعالى ، وحطوها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم ؛ وكذلك تأويلهم استواءه على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب عليه . فيا للّه العجب ، هل شك عاقل في كونه غالبا لعرشه ؛ قادرا عليه ؛ حتى يخبر به سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطّردة بلفظ أحد ؛ ليس فيها موضع واحد يراد به المعنى الذي أبداه المتأولون ؟ وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن يعرفنا أنه غلب على عرشه وقدر عليه بعد خلق السماوات والأرض ؟ أفترى لم يكن غالبا لعرش قادرا عليه في مدة تزيد عن خمسين ألف سنة ثم تجدد له ذلك بعد خلق هذا العالم ؟ ( العاشر ) تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا قرينة تقتضيه . فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه ، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس ، فإن اللّه تعالى أنزل كلامه بيانا وهدى ، فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى .